بعد «تصحيح» خريطة العالم.. كيف ستخوض أفريقيا معركتها الجديدة؟
تمكن الاتحاد الإفريقي من إسقاط مركاتوري الموروث من القرن السادس عشر بعد نجاح أهداف حملة «تصحيح الخريطة»، التي حرصت على إعادة تمثيل القارة بأبعادها الحقيقية على خرائط العالم، حيث ستنتقل المعركة المقبلة نحو تصحيح الكتب والمقررات الدراسية.
وتغطي أفريقيا مساحة تزيد على 30 مليون كيلومتر مربع، أي ثلاثة أضعاف مساحة الولايات المتحدة. ومع ذلك، تظهر على خرائط العالم بحجم أكبر بقليل.
ولتصحيح هذا الخلل البصري الذي استمر لقرون، أيّد 164 عضوا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول تصحيح خريطة العالم وإعادة التوازن إلى التمثيل الخرائطي العالمي وتعزيز التصوير العادل للمناطق وخاصة أفريقيا.
واعترضت الولايات المتحدة على مشروع القرار الذي قدمته توغو وامتنعت إستونيا وجورجيا وليتوانيا ومولدوفا وصربيا وأوكرانيا من التصويت عليه.
بدورها أعلنت باريس في إطار حركة يقودها الاتحاد الإفريقي، أنها ستتخلى عن استخدام هذه الخريطة العالمية. ولتعكس الواقع، سيصبح موقع فرنسا على الخريطة أصغر.
وأيدت فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، هذا القرار بقوة، في وقت تسعى فيه إلى إعادة بناء علاقاتها مع أفريقيا، حيث تراجع نفوذها بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. وفي خطاب ألقاه يوم الجمعة في جامعة السوربون، صرّح وزير الخارجية جان نويل بارو قائلاً: «من الواضح أن تغيير الخريطة لا يغير العالم. لكن تصحيح تمثيل يشوّهه هو في حد ذاته فعل من أفعال الحقيقة».
تؤكد الجمعية العامة في قرارها الجديد أن «التشوهات الخرائطية في أحجام القارات» الموروثة من التاريخ لها آثار معرفية وتعليمية وثقافية وجغرافية سياسية واجتماعية اقتصادية، وتشكل أوجه تحيز تاريخية من شأن تصحيحها أن يعزز الاعتراف والعدالة والتنمية وخاصة فيما يتعلق بأفريقيا.
ما هو إسقاط
مركاتوري؟
وحسب الأمم المتحدة، أظهرت أكثر الخرائط شيوعا القارة الإفريقية، على مدى قرون، أصغر بكثير من مساحتها الحقيقية مقارنة بالمناطق الأخرى في أمريكا الشمالية وشمال أوروبا.
عام 1569 ابتكر جيراردوس ميركاتوري، رسام الخرائط الفلمنكي، طريقة في وضع الخرائط لحل مشكلة عملية في الملاحة البحرية. ولأن الخطوط المستقيمة على خريطته تطابق اتجاهات البوصلة الثابتة، فقد تمكـّن البحارة من استخدامها لرسم مساراتهم.
لكن الحفاظ على الاتجاه جاء على حساب المساحة. تبدو الكتل الأرضية أكبر حجما كلما ابتعدت عن خط الاستواء. على سبيل المثال، قد تبدو غرينلاند مُقاربة في الحجم لأفريقيا، على الرغم من أن أفريقيا أكبر منها بنحو 14 مرة. وبالمثل، تبدو مساحة أوروبا الشمالية وأمريكا الشمالية أكبر بكثير من مساحة المناطق الاستوائية.
على الرغم من غرضه الملاحي الأصلي، لا يزال إسقاط ميركاتوري شائعا في المواد التعليمية والإعلامية والرقمية والرسمية.
ويشير قرار الجمعية العامة إلى أن هذه التشوهات ساهمت في «التصغير الرمزي» لأفريقيا وأدامت نظرة غير متوازنة للعالم.
الأحجام
الدقيقة للقارات
قد يؤثر اعتماد الأمم المتحدة لهذا القرار على المعايير المستخدمة على نطاق واسع من قبل وكالاتها، وكذلك في الكتب المدرسية والتقارير الدولية. وهذا من شأنه أن يفتح المجال أمام إمكانية تعميم استخدام هذا الإسقاط الجديد تدريجياً. وحتى ذلك الحين، يبقى إسقاط مركاتوري مستخدماً على نطاق واسع في المواد التعليمية والإعلامية والرقمية والرسمية.
وتدعو الأمم المتحدة المنظمات التابعة لها منها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ولجنة الخبراء المعنية بإدارة المعلومات الجغرافية المكانية على الصعيد العالمي، ومكتب شؤون الفضاء الخارجي، إلى التعاون مع المنظمات الإقليميـة، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي، والأوساط الأكاديمية إلى تعزيز معايير جغرافية مكانية وجيوديسية وخرائطية تكون أكثر دقة ومقبولة دوليا، بحيث تعكس الأحجام الدقيقة للقارات.
كما شددت على ضرورة التشجيع على إنتاج وتوزيع معلومات وخرائط جغرافية مكانية موثوقة ودقيقة علميا تتطابق مع المساحات السطحية الفعلية للقارات.