تفعيلاً للتعاون والشراكة العلمية والمعرفية

«تريندز» و«فالداي الروسي» يطلقان دراسة بحثية مشتركة حول القوى المتوسطة في عالم متعدد المراكز

«تريندز» و«فالداي الروسي» يطلقان دراسة بحثية مشتركة حول القوى المتوسطة في عالم متعدد المراكز

• دولة الإمارات والسعودية تسعيان إلى توسيع الاستقلالية الإستراتيجية وتطوير القدرات الدفاعية
• الدولتان قادرتان على التأثير الملموس في توازنات القوة العالمية وأسواق الطاقة وتدفقات الاستثمار
• حرب 2026 عززت تنويع الشراكات وتطوير القدرات الذاتية وبناء مرونة إستراتيجية متعددة المستويات


تفعيلاً للتعاون والشراكة البحثية والعلمية والمعرفية، أطلق «تريندز للبحوث والاستشارات»، التابع لمجموعة «تريندز»، بالتعاون مع مؤسسة نادي فالداي للحوار الروسي، دراسة بحثية مشتركة حملت عنوان «القوى المتوسطة في عالم متعدد المراكز.. السعي نحو الاستقلالية الإستراتيجية، وذلك في مقر نادي فالداي بالعاصمة الروسية موسكو.
شهد إطلاق الدراسة أندريه بيستريتسكي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة نادي فالداي للحوار الروسي، والدكتور محمد عبدالله العلي، رئيس مجلس إدارة مجموعة «تريندز»، ونخبة من الباحثين والأكاديميين والخبراء.
وتتناول الدراسة، التي تحمل العدد رقم 33 ضمن سلسلة «اتجاهات إستراتيجية»، السلوك الإستراتيجي للقوى المتوسطة في ظل نظام دولي ناشئ متعدد المراكز، متخذةً من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية حالتين رئيسيتين للدراسة.
وتنطلق من فرضية مفادها أن تعدد المراكز، الذي يُفهم بوصفه تعايش مراكز قوة متعددة ومتباينة عبر مجالات متداخلة، يوفر إطاراً تفسيرياً أدق من ثنائية القطبية أو تعددية الأقطاب لتفسير التوزيع المعاصر للنفوذ العالمي.

مراكز قوى متعددة
وقال عبدالعزيز الشحي، نائب المدير العام لـ«تريندز للبحوث والاستشارات»، إن دراسة «القوى المتوسطة في عالم متعدد المراكز» خلصت إلى أن مفهوم تعدد المراكز يوفر الإطار التحليلي الأكثر قدرة على تفسير طبيعة النظام الدولي المعاصر وإستراتيجيات القوى المتوسطة داخله، وتُُظهر الأدلة المستمدة من تجربة دولة الإمارات والسعودية أن ثنائية القطبية، أو تعددية الأقطاب لا تعكسان على نحو كافٍ تعقيد البيئة الإستراتيجية التي تعمل فيها هاتان الدولتان، وهي بيئة تتميز بتعايش مراكز قوى متعددة، وتداخل الانتماءات المؤسسية، وظهور أنماط من الانخراط متعددة الاتجاهات لا يمكن اختزالها في منطق الاصطفاف التقليدي.

استقلالية إستراتيجية
وأشار الشحي إلى أن الدراسة توصلت إلى ثلاث نتائج رئيسية، أولاها أن دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية لا تسعيان إلى الهيمنة؛ فالقيود الهيكلية والمتطلبات الإستراتيجية التي تشكل سياستهما الخارجية تستبعد «الطموح الهيمني»، وفي الوقت نفسه تدفعهما إلى السعي المستمر نحو توسيع استقلاليتهما الإستراتيجية، حيث تنخرط الدولتان في مشاريع طويلة الأمد لتنويع الاقتصاد، وتطوير القدرات الدفاعية، وتعزيز الدبلوماسية المؤسسية المصممة لتوسيع هامش حركتهما، ومع ذلك، لاتزالان تواجهان قيوداً هيكلية، خاصة في مجال الأمن الصلب، تجعل تحقيق الاستقلالية الإستراتيجية الكاملة هدفاً متوسطاً أو طويل الأجل، لا واقعاً قائماً.

«القوى المتأرجحة»
وذكر أن النتيجة الثانية تفسر مفهوم «القوى المتأرجحة»؛ أي الدور الإستراتيجي المميز الذي تضطلع به هذه الدول بصورة متزايدة؛ فخلافاً للقوى الكبرى التي تشكل النظام الدولي من خلال الهيمنة المادية، أو الدول الصغيرة التي تتحمل ضغوط النظام الدولي مع محدودية قدرتها على الاستجابة، تحتل القوى المتأرجحة موقعاً وسطاً يمنحها نفوذاً مؤثراً، فدولة الإمارات والسعودية قادرتان على التأثير بصورة ملموسة في توازنات القوة العالمية، وفي أسواق الطاقة وتدفقات الاستثمار والاصطفافات المؤسسية والعمليات الدبلوماسية الإقليمية، من دون أن تمتلك كلتاهما مكانة قوة كبرى أو أن تسعيا إليها، وهذا التفاوت بين الحجم المادي والتأثير الإستراتيجي هو تحديداً ما يمنحهما أهميتهما التحليلية والعملية.

تطوير القدرات الذاتية
وأوضح الشحي أن حرب الشرق الأوسط عام 2026 كشفت بوضوح التوترات البنيوية المتجذرة في الإستراتيجية الأمريكية الكبرى؛ إذ أظهرت حدود القدرة على ترتيب الأولويات الإستراتيجية في عصر تتزامن فيه الأزمات، مؤكدة أن مرحلة التحولات الإقليمية الواضحة في الإستراتيجية الأمريكية قد انتهت، وبالنسبة إلى دول الخليج، عززت الحرب الاعتماد على القوة العسكرية الأمريكية الصلبة، لكنها زادت في الوقت نفسه من دوافع التحوط من هذا الاعتماد عبر تنويع الشراكات، وتطوير القدرات الذاتية، وتوسيع الخيارات المؤسسية، مما يعكس سعياً قصدياً لبناء مرونة إستراتيجية متعددة المستويات.

توزيع النفوذ المؤسسي
وأكد أن عملية انتقال دول الخليج من «الدول النفطية» إلى «المراكز المالية»، وتجاربها الحذرة في تنويع الأدوات النقدية، وانخراطها الإستراتيجي في مجموعة «بريكس» والأطر المرتبطة بها، جميعها يشير إلى الاتجاه نفسه؛ وهو بناء مفهوم للاستقلالية يقوم على الترابط والاعتماد المتبادل وتوزيع النفوذ المؤسسي، لا على العزلة أو المواجهة، وهذا نمط مميز لتراكم القوة، يتناسب مع النظام المتعدد المراكز، الذي تعمل هذه الدول في إطاره، وتسهم في إعادة إنتاجه.
وأضاف أن القوى المتوسطة في عالم متعدد المراكز ليست قوى تغير النظام الدولي بالمعنى التقليدي؛ فهي تُُسهم في تشكيله ولكنها تحدث تدريجياً تغييرات في قواعد التفاعل، وتتبنىّ جغرافياً الاعتماد الاقتصادي المتبادل.

مستقبل المحتوى
وفي سياق متصل، عقد «تريندز جلوبال» جلسة نقاشية بعنوان «الذكاء الاصطناعي والحقوق الإبداعية ومستقبل المحتوى»، ضمن برنامج فعالياته في معرض موسكو الدولي للكتاب 2026، وأدارتها وردة المنهالي، الباحثة ورئيسة قطاع الاتصال المؤسسي في «تريندز». وبحثت الجلسة في المناطق القانونية الرمادية التي تعيد تشكيل الاقتصاد الإبداعي، بدءاً من حقوق الطبع والنشر والترخيص، مروراً بآليات تعويض المؤلفين وأصحاب الأعمال الأصلية، وصولاً إلى مستقبل المحتوى في العصر الرقمي. كما ناقشت أوجه القصور في الأطر التنظيمية الحالية، والقواعد الجديدة التي تحتاج إليها الصناعة لحماية الحقوق الإبداعية في عصر الذكاء الاصطناعي.
وقال الدكتور أوليغ كوندراتينكو، مدير كلية الدراسات العليا في الأكاديمية الرئاسية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة «RANEPA»، إن الثقة الرقمية تستند إلى ركائز توثيقية، فالمصدر هو هوية الكيان المنتج بشرياً كان أم خوارزمياً، والإذن هو سجل قانوني لاستخدام المواد التدريبية أو المُخرَجة، أما المشاركة البشرية فهي نسبة التحرير والإشراف البشري الفعلي، مشيراً إلى أن غياب هذا السجل يحول المحتوى إلى أداة تضليل، بينما توحيد معايير البصمة الرقمية يُرسي أساساً للمساءلة العامة، ويحمي الإبداع من الاستغلال دون فرض قيود على الابتكار.

تعزيز الإبداع البشري
بدوره، أوضح هزاع الحمادي، الباحث ومدير إدارة المعارض في «تريندز»، أن الذكاء الاصطناعي يمكنه مساعدتنا على الإبداع بوتيرة أسرع، والوصول إلى جماهير أوسع، وفتح آفاق جديدة، ولكن في الوقت نفسه، يتعين علينا حماية الأشخاص الذين يقفون وراء الأفكار الأصلية؛ أي الكُتّاب والفنانين والمصممين والمبدعين، فيجب أن يمضي الابتكار قُدماً، ولكن ليس على حساب الحقوق الإبداعية.
وذكر أنه ينبغي للذكاء الاصطناعي أن يعزز الإبداع البشري لا أن يحل محله؛ فالتكنولوجيا قادرة على توليد المحتوى، لكن التجربة الإنسانية والثقافة والهوية هي التي تمنح ذلك المحتوى معناه الحقيقي، مضيفاً أن المستقبل لا يقوم على صراع بين البشر والذكاء الاصطناعي، بل يتمحور حول كيفية العمل معاً، في ظل حقوق واضحة وقواعد عادلة واحترام الإبداع.
من جهته، أكد يفغيني كابييف، الرئيس التنفيذي لدار نشر «إكسيمو»، أن صناعة النشر باتت أمام معادلة جديدة، لتصبح الفكرة بشرية، والصياغة خوارزمية، والنشر رقمياً، مما يعقد تحديد المالك والمستفيد، مضيفاً أن قطاع النشر يحتاج إلى حماية الإبداع البشري كمحرر نهائي، والشفافية عبر إلزامية الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في المطبوعات، والعدالة في ترخيص المواد التدريبية للمحركات الذكية وأدوات الذكاء الاصطناعي.